14 فبراير 2007

إعلان

بعد صمتٍ طويل عُدنا والعودُ أحمدُ...
ياحاضرين اعلموا الغايبين بإنه في مصر..
صدرت بحمد الله مجموعة "حكايات أمينة" بعد انتظار ووجع قلب وملاوعة ومناهدة ومساومة وتسويف ومماطلة ونشفان ريق..
اللي يشوفها أو يقراها معزوم يقول رأيه واللي في نِفسه في هذا البلوج أو غيره..
مع الاعتذار عن العطل الفني وانسداد النِفس الذي أسكت حِس النفر..
القيرواني/الكايرواني

الدقائق


نظرت في ساعتها وامتلأ قلبها غبطة وامتنانا ..
تذكرت الشمع الذي نذرته لأم الغلابة ووعدتها أن تشعله الليلة أو غدا صباحا بالكثير، عرفانا لوفائها بالوعد الذي قطعته لها في الحلم منذ أيام..
في المنام أتتها لابسة –مثلها الآن- أبيض في أبيض. وضعت يمناها على كتفها وبيسراها مسحت الدموع التي تغرق خديها:
- لماذا تبكين يا ابنتي ؟
- كيف لا أبكي يا سيدتي و الدنيا تلهب ظهري بالكرباج ودقائق اليوم ليست كافية..
- كيف؟
- في اليوم ألف واربعمئة وأربعون دقيقة فقط لا غير.. يروح ثلثها في النوم حتى أستطيع تحمل الثلثين الباقيين.. في الصباح أحتاج لساعة حتى أطعم الأطفال وألبسهم وأخرج الطعام من الثلاجة حتى يكون جاهزا للطبخ عند عودتي..أحيانا أنسى حتى أن أسرح شعري وأطلع من البيت جريا وفي كل يد عيل.. نركب الميكروباس لأوصلهما المدرسة ..الوقت المطلوب مسألة حظ تتوقف على درجة الزحام ومرور المواكب أو انفجار المواسير، بمجرد أن يدخلا من الباب أواصل الجري لأذهب إلى العمل ولا تقولي لي أن أبقى في البيت فهو يحتاج مرتبي.. المسألة تأخذ لها ساعة أو ساعة ونصف وأقضي اليوم بطوله في العمل ثم أعود منهكة لا أطلب من الدنيا شيئا إلا دقائق راحة لكنني لا أستطيع فالطبيخ ينتظرني وغسيل الأطباق والملابس والمكوة واستحمام الأطفال ومساعدتهم في عمل الواجب والقراءة وحتى الحساب الذي لا أحبه ولا أفهمه .. وفجأة أنظر في الساعة وأجد أن ميعاد النوم قد أزف وورائي عشرات الأشياء التي لم أنته منها ويجب أن تؤجل ليوم آخر ليس في دقائقه دقيقة واحدة غير محجوزة .. وحتى عندما أرمي ظهري الكسير على سريري فهناك على الأقل (لا تؤاخذينني على الحديث في هذا الموضوع) مرة أو مرتين أسبوعيا تضيع فيها نصف ساعة للحقوق والواجبات الزوجية ..ولكي أكون جاهزة لها فهناك مرة كل أسبوعين أحتاج فيها ساعة أو أكثر للحلاوة ونتف الشعر الزائد.. وعندك أيضا خمسة أيام في الشهر تزيد فيها زياراتي للحمام ويطول بقائي فيه دقائق ثمينة للتعامل مع الفوط الصحية وما قد يتسرب منها .. لقد حسبت وعددت وأحصيت واكتشفت أن عدد الدقائق في اليوم ليس كافيا على الإطلاق .. يجب أن تزيد.. ساعديني يا ستي يا أم الغلابة .
- ماذا تريدين ؟
- أريد أن تصبح الساعة مائة دقيقة..هذا سيحل كل مشاكلي..
- رغم أن طلبك يستلزم تغيير سرعة دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس أعدك أن أنقله لصاحب الأمر وأن أتشفع لك.. وهو وحده يستجيب الدعوات..

***

نظرت في ساعتها وامتلأ قلبها غبطة وامتنانا ..
كانت الساعة الخامسة وواحد وسبعون دقيقة.. أحمدك يا ربي ..
دخل الملاكان حجرتها .. ملابسهما بيضاء وأجنحتهما كبيرة ترفرف ، جس واحد منهما نبضها ونظر في فمها ، أخذ الثاني درجة حرارتها وقاس ضغطها وأعطاها من طعام الملائكة قرصا ، قالت :
- أعرفت؟ أصبحت الساعة مائة دقيقة بالضبط كما طلبت .. الساعة الآن الخامسة وخمس وسبعون دقيقة.. أليس هذا رائعا ؟ وأليس الله رؤوفا بالعباد؟ وعليّ نذر لأم الغلابة ويجب أن أوفيه ..
- الوفاء بالندر واجب مقدس..
- عندما غادر الملاكان الغرفة أدركت أنها لم تخبرهما أن الرحمة لم تقتصر على إطالة الساعات بل أن الدقائق غير المستخدمة في أي يوم تعود إلى صاحبتها حتى تستعملها على راحتها وفي الوقت المناسب .. نظرت إلى السلة المليئة بالدقائق المتوفرة من اليومين الماضيين . ملأت كفها بحفنة من دقائق متلألئة وضّاءة براقة كالجواهر وجلست على السرير تعدها مبتهجة وتعيدها ببطء إلى السلة وتفكر في أفضل استخدام لها ..

كلاهوما

"بالعامية"

العساكر واقفين على الباب. وشهم كِشِر ودمهم تقيل وكلامهم كله شخط ونطر "خش يمين، خش شمال، امنع الكلام واقلع هدومك.."
وقفنا صف طويل جنب بعض عريانين. الفرق الوحيد هو نوع اللباس. أنا واللي زيي كنا لابسين لِبِسة "جيل" قطن بيضا. التانيين كانوا لابسين لِبِسة دمّور طويلة لحد الركبة. من حظي إن اللي واقف جنبي كان صاحبي من النادي. قلت له:
- من ساعة ما صحيت عمال أدعي إنهم يدوني إعفا عشان النظر.. قدامي فرصة شغل هايلة في انجلترا ..
واحد كان واقف جنبنا على طول (بس الحقيقة أنا ماكنتش خدت بالي منه خالص) لونه مصدّي ورفيع ووشه منقّر زي الزلطة المخربقة ولباسه دمّور مصفِرّ لون وشه بالظبط راح داخل في الكلام:
- يا عم بلا سفر بلا غربة بلا بهدلة.. الواحد يقعد في بلده وسط أهله أحسن وأكرم له.. انت مش بتقول انجلترا؟ طب واللي نبّى النبي أنا لسه راجع من كلاهوما في أمريكا وحالف على نعمة ربنا إني عمري ما حاسافر تاني ولا أخطّي خطوة بره بلدي.. دانا شفت بلاوي الله لا يوريك.. على رأي وردة "خليك هنا خليك بلاش تفارق"...
بصيت له وأنا مستغرب جداً. أمريكة ايه اللي بيتكلم عليها الواد المعفّن العِفِش ده؟ .. وبعدين قلت في عقل بالي خده على قد عقله وخليك ماشي معاه .. آهي تسالي في يومنا الأغبر...
- كنت بتعمل ايه في أمريكا؟
- صلي على سيدنا النبي.. أنا شغلتي خراط .. لفّيت ودوّرت بس الشغل اللي لقيته صراحة ما ملاش دماغي .. صحيح ما يشكر في نفسه إلا إبليس بس الشغل ما كانش على قد شطارتي .. أنا أصلي أسطى كبير أوي .. المهم الواد محمد ابن الجيران كان طلع أمريكا وبعدين شد لي جواب قال لي يا أسطى سيد ما تجيب بعضك وتيجي.. ده الشغل هنا على قفا من يشيل .. ما كدّبتش خبر ورحت طالع .. بلد تشيلني وبلد تحطني لغاية ما لقيت نفسي في كلاهوما باشتغل في ورشة ميكانيكا وسيارات .. الشغل برضه ما كانش مكيّفني.. بس أهو بيجيب قرشين حلوين وخلاص .. في يوم من الأيام دخل زبون على المحل راكب عربية شيفورليه بأجنحة.. كبيرة عينك ما تجيبش آخرها .. المعلم صاحب الدكان (اسمه جونسون على إسم الرئيس القديم) فتح الماتور وضرب كف على كف وقال لا حول ولا قوة إلا بالله .. راحت العربية الغالية .. الحتة اللي باظت فيها مش موجودة في الدنيا كلها .. قعد الزبون الغني يعيّط والمعلم جونسون يطبطب عليه .. قمت أنا رايح من سكات من ورا ضهرهم خدت الحتة وجري على مكنة الخراطة .. عشر دقايق ربع ساعة بالكتير ودخلت عليهم بقلب جامد ورحت مدّي المعلم جونسون الحتة اللي أنا عملتها وقلت له جرّب دي .. هوب وراح حاططها في العربية ودوّر الكونتاك دارت ومشيت زي الرهوان .. الزبون راح لف له لفتين ورجع.. قال لي تطلب ايه يا أسطى سيد؟ لو عينيا ما يغلوش عليك .. قلت له أنا مش طالب إلا إنك تكون مبسوط ويكون ربنا سبحانه وتعالى راضي عليّ عشان باعمل شغلي صح .. دب ايده في جيبه وادّاني رزمة فلوس وقال لي أي يوم تعوز حاجة تكلمني وأنا رقبتي ليك ...
اتعرفت الحكاية بقى في كل كلاهوما .. الشارع اللي فيه ورشتنا كان كله ورش يمين وشمال .. طب والعشرة الكرام دول وحق من جمعنا من غير ميعاد.. كل الورش التانية كانت فاضية بتنش وطابور العربيات على ورشتنا مالوش آخر .. ومافيش على لسان الخلق إلا الاسطى سيد الاسطى سيد .. ولا غير الاسطى سيد يشوف لنا العربية .. بس والقرش جري في ايدي وبقيت ملك كلاهوما..
يوم قلت لنفسي يغور المال اللي ما ينزه أصحابه .. اخرج ياخي اتفسح وشم هوا وفك عن نفسك والا العيشة حتبقى كلها شغل في شغل؟ وفعلاً لبست الحتة الزفرة وحطيت الكالونيا ونزلت... رجليا خدتني على فين؟ على بار.. يعني خمارة أستغفر الله العظيم.. قعدت بقى ورحت طالب واحد وسكي وواخده على بق واحد.. ضربت بعيني على اليمين لقيت شوية حريم قاعدين على ترابيزة وسمعت واحدة فيهم بتقول للتانيين عارفين مين اللي على البار ده؟ الأسطى سيد بتاع الخراطة.. بس ولقيتها جاية ناحيتي وقالت لي انت الأسطى سيد؟ قلت خدامك يا هانم.. من غير احم ولا دستور راحت قالعة القميص والسنتيان وملطشاني على وشي ببزازها.. على كل خد قلم ببزّ.. وقالت لي أنا زعلانة منك أوي يا أسطى سيد.. كده تأخر عربيتي تلات أيام بحالهم؟ .. ماكدبش عليك أنا اتجننت.. شفت البزّين بيض ومربربين وطراي والحلمات يابا آه.. تقولش فراولة؟ وأنا طبعاً مش حجر.. أنا بني آدم لحم ودم.. ما قدرتش أمسك نفسي ورحت مادد ايدي.. عقلي كان بيقول لي حرام يا سيد ده زنا وحتخش النار.. بس هو مين اللي يقدر في ظرف زي ده يقول لأ؟ مسكتها وبُستها في بقها وقعدت أحضنها واعضّ فيها ولسه حنصهلل مع بعضينا ما ألاقيلك إلا جميع الكايبوي بتوع كلاهوما داخلين علينا بالمسدسات ومحوّطينا من كل ناحية ورجليهم بتدبّ في الأرض.. قلت لنفسي مادام حتموت يا واد يبقى تموت راسك مرفوعة.. رحت مطلّع المطوة قرن الغزال وفاتحها وداخل عليهم جري حالف لاجيب كرش أتخن تخين قبل ما يقدر يضرب نار.. وأنا باجري سمعت صوت بيقول: كله يوقّّف عنده منك له.. طلع مين؟ كبير الكايبوي كلهم.. قال لهم انتو بتعملوا ايه؟.. عايزين تموّتوا الراجل ده ليه؟ قالوا له قطع عيشنا ووقف حال ورشنا وماحدش في كلاهوما وراه حاجة إلا الأسطى سيد.. وبعدين حييجي ياخد نسواننا كمان؟ لا يمكن.. احنا لازم نشرب من دمه.. رد عليهم وقال أما انتو عالم ناقصة صحيح... موضوع الشغل ده أرزاق بتاعة ربُّنا.. هو يعني كان غصب على الناس وقال لهم ما تروحوش لحد غيري ..والا بشغله وأمانته؟ اتجدعنوا انتو وابقوا زيه وحتلاقوا الزباين نازلة ترف عليكم.. وبعدين بقى موضوع النسوان ده.. هو خطفها والا جبرها والا راحت له بمزاجها؟ رُدي يابت.. بخُطرك والا غصب عنك؟ قالت له بخُطري ياكبير.. قال لهم يبقى انتو ايش حشركم بين البصلة وقشرتها يا بجم يا أوساخ؟ هي الغيرة جننتكم خلاص؟ اللي حيمس شعرة من راس الأسطى سيد حيبقى حسابه معايا أنا.. ياللا غوروا من هنا يا كلاب.. وحقك عليّ يا اسطى سيد وهات راسك أبوسها..
أنا حمدت ربنا إن الراجل الكبير جه ونجاني من ايدين ولاد الكلب الكفرة دول.. بس الصراحة كَرَفت وقلبي قفل من البلد واللي فيها.. قلت لنفسي في داهية الفلوس واللي عايزينها.. يا تخليك تتقتل يا توقّعك في الغلط وتروح جهنم الحمرا والعياذ بالله.. فلمّيت هدومي ورجعت جري على مصر...
العسكري زعق بعلو صوته: لليمين دُر.. معتاداً مارش.. مشينا طابور لغاية ما دخلنا مبنى الكشف الطبي.. كان فيه عسكري واقف على الباب بيقول انت خش يمين وانت خش شمال.. قبل الأسطى سيد الرفيع المسموم ما يدخل الأوضة بص لي وقال:
- اسمع كلام الأسطى سيد وكلام الست وردة.. خليك هنا خليك بلاش تفارق...

26 يونيو 2006

حكاية الحب (المستحيل) الأول

"حكايات أمينة" عمل جديد تحت الطبع في دار ميريت.
يتكون العمل من مجموعة قصص متصلة منفصلة. هذه القصة واحدة منها. أتمنى أن تعجبكم. في انتظار تعليقاتكم ...



حكاية الحب (المستحيل) الأول

***

أحياناً كانت أمينة تتسلل إلى الكنيسة الصغيرة الملحقة بالمدرسة. تحتاج للحظة حتى تعتاد عيناها على خفوت ذلك الضوء المصفّى بزجاج الشبابيك الملونة الذي يبعث في قلبها راحة تتعطش إليها. وهدوءٌ مطمئن يروي روحها الظامئة. حالما تدخل من الباب تتنهد تنهيدة عميقة وتبدأ في السير بين صفوف المقاعد متأملة الجدران والصور. ثمة قوة خفية تجبرها على التحرك ببطء وتؤدة وتفرض على عقلها ألا يحادثها إلا همساً. تجلس وتبدأ في تلاوة الفاتحة والصمدية وتدعو الله أن يحقق للثورة النجاح وأن يعيد سعد باشا من منفاه الثاني. وتدعوه مخلصة أن يخرج الإنجليز من مصر. وأحياناً –حين يتملك منها الضيق بمنفاها داخل تلك المدرسة اللعينة- تدعوه أن يحرقها بما فيها ولكنها تشترط عليه شرطين أولهما ألا تكون هي بداخل المدرسة عندما يقرر سبحانه الاستجابة لدعوتها ومحوها من على وجه الأرض والثاني ألا تمتد ألسنة النار إلى هذه الكنيسة الجميلة التي أصبحت لها ملاذاً من قسوة المدرسة وأهلها..

في المرات الأولى لم تلحظه. كانت الصلوات والدعوات تستغرقها إلى حد العجز عن رؤية أي شيء حولها. ولكنها بالتدريج عندما اعتادت المكان وعرفت يقيناً أن هناك أوقاتاً لن يفاجئها فيها أحد طالباً تفسيرات وإيضاحات عما تفعله –هي المسلمة- داخل الكنيسة بدأت تتأمل كل شيء بدقة متناهية. وهناك رأته لأول مرة، شعره أشقر ووجهه وسيم تعلوه ابتسامة وديعة وعيناه زرقاوان تفيضان حباً وحناناً. عند التقاء نظراتهما ابتسم لها فاحمر وجهها وركضت خارجة إلى الحديقة المنمقة حيث وقفت يدق قلبها خجلاً (وربما أيضاً نشوةً بمغامرة غير منتظرة). وأخذت على نفسها عهداً ألا تطأ قدماها ذلك المكان مرة أخرى.. لكن وعود الشباب قصيرة العمر. بعد أيام من المعاناة والتردد والرغبة الجارفة والخوف وجدت قوة مجهولة تدفعها – رغم عهدها الذي شهدت عليه زهور الحديقة وأشجارها- للعودة إلى الكنيسة. شعرت بسخونة الدم يتدفق إلى وجنتيها وريقها يجف وقلبها يغوص ويدق خائفاً متلهفاً. دخلت متعمدة ألا تنظر في اتجاه المكان الذي رأته فيه. ولكن نفس القوة الخفية أدارت رأسها رغماً عنها فرأته واقفاً في نفس المكان يحدق فيها بعينين زرقاوين تفيضان حباً وحناناً. خفضت عينيها خفراً وبدأت في التحرك متأملة الجدران والصور في محاولة (تعرف فشلها) لتجاهل وجوده الغلاب. وبين الحين والآخر تجد نفسها مضطرة للنظر نحوه مدركة أن عينيه تتابعانها. وكلما ألقت عليه نظرة وجدته مثبتاً عيونه عليها. وبعد مقاومة عنيدة لم تملك إلا أن ترد ابتسامته وأن تبدأ معه حديثاً وأن تعرف أسمه وعندما عرفته عرفت كما قالت لها أمها أنه سيعود قبل يوم القيامة بأربعين سنة ليملأ الأرض عدلاً ونوراً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. رأته جميلاً ووسيماً وباعث أمل لا يموت. همست له وأقسمت أنها ستكون بانتظاره عند نزوله من مملكة السماء وأنها ستسير وراءه وتصدقه عندما يكذبه الناس ويتبعون –غافلين- ذلك المسيخ الدجال الذي سينتحل شخصيته. إنها تعرف أنه كلم الناس في المهد صبياً وكان براً بوالدته ولم يكن جباراً شقياً. وتعرف أنه يحيي الموتى ويبرئ الأعمى والأبرص والأكمه بإذن الله. وتعرف أنه سيعود. وتعرف أيضاً أنها تحبه وتحب خصوصاً عينيه الزرقاوين اللتين تفيضان حباً وحناناً..

***

عندما انتهت الثورة ولم يخرج الإنجليز من مصر وانطفأت شعلة الحماس كما اتقدت فجأة وبشكل غير مفهوم لم تكن أمينة قادرة على فهم ومتابعة الحسابات السياسية المعقدة التي أدت إلى تلك النتيجة المؤسفة فقررت أن تلجأ إلى الحل البسيط وهو أن القيامة ستقوم بما يعني أن عليها –وفاء لقسمها- أن تجلس في شرفتها كل ليلة ناظرة إلى السماء. وذات ليلة سيتحول القمر إلى مصباح كشاف يسلّط ضوءه على بقعة معينة وعندها ستراه نازلاً بهدوء. يتطاير شعره الأشقر في الهواء ويهفهف معه جلبابه الأبيض وينظر إلى الأرض وسكانها –الذين أتى لتخليصهم- نظرته المحبة الحنونة الوادعة. وعندها سيراها واقفة تلوح له فاتحة ذراعيها مستعدة لاستقباله واحتضانه. يصل إلى شرفتها فتغسل قدميه وتعطرهما وتقدم له بيد ترتجف حباً كوب اللبن الدافئ ثم يخرجان سوياً –هو السيد المعلم وهي الحوارية- ليبدآ معاً مهمة إنقاذ العالم.
وفي كل ليلة –عندما تدرك أنه قرر مرة أخرى أن يخلف موعده- تدخل حجرتها وتفتح الدولاب. داخل بابه ثبتت صورته بشعره الأشقر ووجهه الوديع وعينيه الزرقاوين تفيضان حباً وحناناً وتتملى وجهه بنظرة عتاب ثم تغلق دولابها فتحط نظراته الحانية على المصحف القابع على الرف في مواجهته مباشرة..

***

والآن –عندما تضيق بي الدنيا ويصبح وزن قلبي أكثر من طن ينوء به صدري، ويستعصي عليّ فهم الحسابات السياسية المعقدة التي أدت إلى ما أراه حولي في الدنيا أفتح نافذتي وأطلّ إلى السماء متمنياً أن أرى القمر وقد تحول إلى مصباح كشاف يسلّط ضوءه على بقعة معينة وأراهما نازلين هو بشعره الأشقر الذي يتطاير في الهواء ويهفهف معه جلبابه الأبيض. وجدتي بقميص نومها الأبيض ذي الزهور البنفسجية الصغيرة يتطاير ما تبقى من شعرها الأبيض الخفيف ينظران إلى الأرض وسكانها نظرتهما المحبة الحنونة الوادعة حتى يصلان إلى شرفتي فأغسل أقدامهما وأعطرهما وأقدم لهما بيد ترتجف حباً كوب اللبن الدافئ ثم نخرج سوياً –هو السيد المعلم وهي الحوارية وأنا التابع- لنبدأ معاً مهمة إنقاذ العالم..

ولكنني أعرف. فأغلق النافذة بعد أن عشت لحظة سلام وجيزة تكفيني حتى القيامة التالية..

ليلة

عيناها مثبتتان على شاشة التلفزيون. ألقى عليها تحية المساء فردت بألفاظ مبهمة. جلس في مقعده وخلع الحذاء ولبس الخف المريح وتنهد. بدأ يقرأ جريدته وقال كلمتين فأجابته بكلمتين. أتى العشاء فأخذا يأكلان في صمت. باحساسٍ بالواجب علّق على نوعية الطعام بكلمة ونصف فهزت رأسها موافقة. عاد من الحمام بفم تفوح منه رائحة معجون الأسنان. تمنى لها ليلة سعيدة ونوماً هادئاً فابتسمت..
أيقظها شخيره العالي فمدت يدها وحركت الوسادة تحت رأسه برقة حتى سكتت الضوضاء وعادت –بصعوبة- لنومها..
بعد الإفطار أتاهما الصوت المعدني يأمرهما بطي الموائد واعادة ظهر المقعد إلى الوضع الرأسي وربط الأحزمة. وبعد لحظات هنأها بسلامة الوصول وساعدها في انزال حقيبتها ثم سار كل منهما في طريقه..

قلبه في النيل

كان ياما كان يا سعد يا إكرام ما يحلا الكلام إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام.

كان ياما كان، لا في سالف العصر ولا في قديم الزمان شاب زيه زي كل الشبان، راح المدرسة ومنها على الجامعة، وهو في الجيش حبّ بنت الجيران، واتفقوا على انهم لبعضهم أول ما ربك يسهلها ويفتح عليهم باللي يتجوزوا بيه ويعيشوا في تبات ونبات ويخلفوا الصبيان والبنات..

صاحبنا طلع من العسكرية وفضل يدوّر على شغل عشان يشتري الدبلتين والسقف والمرتبة، يدوّر مهما يدوّر، يمشي لما تحفى رجليه، يذل نفسه العزيزة قدام اللي يسوى واللي مايسواش وكل البيبان يا ولداه مقفّلة في وشه، واليوم يجرّ يوم والشهر يجرّ شهر فاتت سنة واتنين وهو زي ما هوّ قاعد عند أبوه وأمه ومايشوفش حبيبته إلا في الشوارع (عشان مابقاش فيه جناين يروحوها زي زمان). في يوم من الأيام وهو ماشي معاها ينخلوا الهم ويغربلوه واللي يعيدوه يرجعوا يزيدوه من غير مايلاقوا لا حل ولا أمل طقت في دماغه الفكرة انه لازم يمشي من البلد ويروح يلقط رزقه في أي حتة ربنا يوديه فيها، هي تعيّط وتقول له الغربة صعب يقولها الفقر غربة وبعدي عنك وأنت قدامي غربة اكبر، تقول له حتروح وتنساني وماترجعليش يقول لها ماحدش في الدنيا بينسى روحه وأنت روحي وعقلي. من هنا لهنا ماعرفتش تغيّر رأيه فسكتت وقلبها واكلها ووالع نار لكن حتعمل ايه؟

المهم، صاحبنا راح يجري على السفارات والقنصليات يملا ورق ويجيب صور واستلف من طوب الأرض لحد ما عرف يخرج. وبلد تشيله وبلد تحطه جاب الدنيا من شرقها لغربها وربك فتح عليه من وَسَع. أكل أحسن أكل ولبس أحسن لبس وشوية بشوية نسي حبيبته اللي قاعدة مستنياه وتكتب له الجوابات وتلزق صمغها بدموع عينيها.

بعد ما فاتت عليه السنين وهو مبسوط ومستريح ومش ناقصه حاجة أبداً صحي من النوم لقى نفسه بيعيّط. قال لازم شفت حلم وحش وإلا حاجة ونسي الموضوع. لكن كل يوم كان يصحى يلاقي دموعه مغرّقة المخدة. وبعد كده يبقى قاعد في وسط الناس وبيضحكوا ويتكلموا وياكلوا ويشربوا ومرة واحدة يلاقي عينيه راحت مرغرغة بالدموع وايد جامدة زي الحديد ماسكة زوره وحتخنقه. راح لدكاترة ومنجمين وعرافين وماحدش عرف السبب. قعد يفكر في ليلة وافتكر حبيبته اللي راح يجيب مهرها وسابها وراه ونسيها وكأنها مش موجودة. قال في نفسه ده ذنبها اللي في رقبتي. ماكدّبش خبر وجرى ركب الطيارة ونزل مصر وراح لها. لقاها حزينة ودبلانة لكن زي الوردة لو دبلت ريحتها فيها. قلبه حن قال لها سامحيني على اللي عملته فيكي أنا راجع ابوس راسك وايدك وآخدك اعوضك عن كل السنين اللي فاتت دي. قالت له ايه اللي فكرك بي دلوقتي؟ ما فاتت سنين من غير ما اسمع عنك أي حاجة اشمعنى النهارده جاي ترجّع اللي راح. حكى لها حكاية الدموع اللي بتغرّق المخدة والايد اللي بتخنقه وقعد يقول ليه؟ عندي كل حاجة ناقصني ايه؟ ليه طول الوقت قلبي واجعني وحاسس اني ناقصني كل حاجة والدموع مابتنشفش من عيني. قالت له يمكن انا اعرف السبب. يوم ما سافرت وسبتني الدنيا اسودّت في وشي رحت جري على السيدة سكينة. حطيت ايدي على مقامها وقلت خايفة يا سيدة، خايفة يروح وينساني وما اشوفوش تاني، بحق جاه جدك المصطفى اتشفعي لي وخليه يرجع لي ده انا ما ليش في الدنيا غيره. واحدة ست واقفة جنبي سمعتني وقالت لي روحي للشيخ علوان. دخلت عليه قال لي الطير طار وخايفة يلوف على غيرك ولا يرجعش؟ أنا ماصدقتش وداني وقلت الراجل ده فعلاً مكشوف عنه الحجاب، عرف كل حاجة من غير ما اتكلم ولا افتح بقي. قال لي روحي امشي على النيل في الحتة الفلانية حيطلع لك صياد ويناديكي باسمك هاتي اللي يديهولك وتعاليلي جري. الصياد اداني جردل متغطي بغربال. رجعت للشيخ علوان من غير ما ابص فيه. فتحه لقيت جواه قرموط نيلي أسود كبير بشنبات. سألني عن اسمك واسم امك وبسن الدبوس كتب على جلد القرموط:

يا فلان ابن فلانة
قلبك هنا
مهما شفت ولفيّت
ترجع لنا
ومهما عرفت وحبيّت
نصيبك أنا

بس وعزّم على القرموط وقرا عليه حاجات مافهمتهاش واداهولي بجردله وغرباله وقال لي تحافظي عليه زي عينيكي. خدته عندي في البيت وكل يوم كنت اغير له الميه واحط له فيها ماورد ومازهر وأأكله أحسن أكل عندنا. كنت آخد منابي واقسمه نصين نص لي ونص له وكل ليلة أقعد اكلمّه واغنيله واقول له كل اللي نفسي اقولهولك.. ولفت الأيام وانت في غيبتك وناسيني وانا ماليش في الدنيا إلا صورتك والقرموط. في يوم أمي قالت لي روحي مع أختك القناطر اتفسحي وشمي هوا عشان يا حبة عيني بقى وشك زي الليمونة وخسيتي النص حتفضلي حابسة نفسك لغاية امتى؟ انا كنت باخاف اخرج واسيب القرموط بس يومها قلت والله لأنا خارجة وحآخده معايا. أول ما ركبنا المركب القرموط اتجنن في الجردل. تقولش قلبه حس اننا في النيل في بيته وميته. فضل يدور حوالين نفسه ويخبط راسه يمين وشمال في الجردل ومرة واحدة لقيته نط لفوق كأن ربنا ادّاله قوة ما بعدها قوة وخبط الغربال براسه ونط في النيل. بقيت اعيط والطم واندب وفرجت عليّ الناس ويقولوا لي معلش حصل ايه؟ ننزل نصطاد لك عشر قراميط وانا أصرخ وأقول كده راح خالص كده مش حاشوفه تاني ولا هم فاهمين انا باتكلم على ايه.. آدي الحكاية..

قال لها يا نهار اسود يعني انا قلبي دلوقت في النيل وميتّه ملوثة ووسخة وبيرموا فيها بلاوي ما يعلم بها إلا ربنا، وماداهية يكون حد اصطاد القرموط وسلخه وكله ورمى جلده المكتوب عليه التعزيمة في الزبالة.. يعني قلبي راح فين؟ مش حرام عليكي تعملي في كده؟ أجيب قلبي منين دلوقت؟ وجرى بسرعة راح على النيل على مراكبي كان زمان لما يبقى معاه فلوس ياخد حبيبته ويروحوا يركبوا فلوكته. لقاه في نفس المكان. حضنه وباسه وقال له يا عم فلان ما تعرفش بيصطادوا القراميط فين؟ قال له من كل حتة في بحر ربنا الواسع. قعد يبص على النيل ولقاه عريض وجميل والنور بيضوي على المية ودموعه نزلت وهو بيفكر قد ايه هو كبير ومش ممكن يعرف يلاقي فبه قرموط معين. بعد شوية قال للمراكبي خدني فسحة يا عم فلان. خده ومشي به في النيل وهو بيكلمه وصاحبنا ولا سامع ولا هو هنا. بيبص طول الوقت على المية كأنه حيلاقي فيها قرموط مكتوب عليه اسمه ومكتوب عليه قلبك هنا. ومرة واحدة –الله أعلم هو شافه وإلا ايه- راح ناطط في النيل والمراكبي يصرخ ويقول له البحر هنا غدار ما تنزلش. غطس لتحت لتحت يدوّر على القرموط..

ولما جسمه طلع عام فوق وش الميه من غير حركة كان مرسوم على وشه ابتسامة بتقول خلاص لقيته..

وتوتة توتة فرغت الحدوتة والآه جوه صدري مكبوتة.. حلوة وإلا ملتوتة؟

10 مايو 2006

هندسة

قالت:
  • لم أعد أستشعر في حبك حرارة الماضي ولا صدقه..
رد:
  • الدائرة أكمل الأشكال الهندسية، وفي الدائرة كما في الشكل المبين أدناه- أقرب نقطتين إلى بعضهما هما في نفس الوقت أبعدهما عن بعضهما

الحب
الكره


وإن كنتِ تريدين صدقاً، فأصدقُ الكلمات هي أنني أحبكِ حتى الكره..
وأكرهكِ حتى الحب
وأعيشُ فيكِ حتى الموت..
وأموت فيكِحتى اكتمال الحياة..

عولمة

في المرآة البلجيكية يرى نفسه:
البدلة إيطالية، ربطة العنق مصنوعة في فرنسا من حرير الصين، الحزام أرجنتيني، الساعة سويسرية، الحذاء اللامع بريطاني، القلم في الجيب الداخلي ألماني، إطار النظارة أسباني وعدساتها تشيكية، الكومبيوتر القابع وراءه على المكتب أمريكي، التليفون المحمول تايواني، وفي يده مفاتيح السيارة اليابانية....

والخيبة والهزيمة والمرارة...عربية..

محاكمة

قال القاضي بنبرة صارمة ووجه متجهم:
  • أنت متهم بقيادة السيارة اليابانية متجاوزاً كل السرعات المقررة في محاولةٍ للوصول إلى الجرة الذهبية عند نهاية قوس قزح، مذنب أم غير مذنب؟

  • يا جناب القاضي...دعني أفسر..
قاطعه:
  • مذنب أم غير مذنب؟

  • مذنب..
نظر القاضي في عينيه وقال:
  • ظللت تطارد الوهم كالمجنون رغم وجود منجم ذهب في قلبك ما كان يحتاج منك إلا إلى قليلٍ من الصبر والدأب حتى تفتح ممراته المسدودة وتغترف منه ما تشاء.. مذنب أم غير مذنب؟

  • مذنب..

  • إذن حكمت المحكمة عليك أن تظل ترى ذهب قلبك بعينيك وألا تمسه أبداً بيديك، وكلما اقتربت منه خطوة يبتعد عنك خطوتين، وتقضي بقية عمرك في لوعة التوق إلى ما تملكه ولا تستطيع أن تصل إليه ولا يسعك أن تنساه.. رفعت الجلسة..
قال متضرعاً:
  • الرحمة..
وجاءه الرد القاطع:
  • لا رحمة للأغبياء..

قرص منوِّم

عيناه مفتوحتان على اتساعهما وليس فيهما ذرة نوم..
يعرف يقيناً أن الليل سيكون شديد الطول والسواد مليئاً برؤى الزلازل والعواصف والحروب العالمية والخفافيش الطائرة وفقد الأحبّة..
يفتح علبة الأقراص المنومة فراراً من ليلة طولها ألف عام فتنتزعها منه يد الراقدة بجواره وتقول:
  • اترك هذا السم وتعال معي..سأعطيك أحسن علاج..
يقوم معها مستسلماً..تأخذه إلى حديقة جميلة..على مائدة في وسطها تضع صحناً عميقاً وتفرغ فيه زجاجة من نبيذ كاليفورنيا الفاخر..تحرك الطبق يميناً ويساراً وهي تقول:
  • أهم شيء في هذا العلاج هو ضبط الإحداثيات..انظر..
ينظر إلى النبيذ الأحمر فيرى البدر المكتمل طافياً على سطحه..تتنهد بارتياح:
  • تمام..
تأتي بمغرفة وتدبها بعنف في مركز الدائرة فيتهشم القمر إلى آلاف القطع المتلألئة..تسكب النبيذ المخلوط بشظايا القمر المضيئة في كأس من الكريستال وتأمره:
  • اشربه في جرعة واحدة..
وبعدها تضع رأسه بين نهديها وتغني بصوت رقيق:
                 نام نام
                وادبح لك جوزين حمام..
يروح في نومٍ عميق  ولما تهدأ أنفاسه وتنتظم..  تسحب سكينها وتذبحه، وتملأ  زجاجة النبيذ الخاوية بالدم المتدفق من شرايين عنقه المفتوحة..

26 فبراير 2006

خوف الكلاب

يدخل السيد الوزير مكتبه متعكر المزاج، يقلب في أوراقه ثم يستدعي وكيل الوزارة ويوبّخه على سوء الأداء والتقصير والإهمال..ولأن المقامات محفوظة يحفظ الوكيل لسانه ولا يرد..

في مكتبه يستدعي السيد الوكيل مديري العموم وينقل إليهم غضب الوزير على لعب العيال الذي آل إليه حال الوزارة بفضل تقاعسهم وانعدام كفاءتهم..ولأن العين لا تعلو عن الحاجب يتلقى السادة المديرون غضبه بصمت ومحاولات ذليلة للاسترضاء..

على الفور يعقد كل مدير في إدارته اجتماعاً للموظفين ويمسح بكرامتهم الأرض ويلعن أبا الزمان الذي جعله رئيساً لجهلة أغبياء مثلهم..ولأن الكبير له احترامه ولأن من خاف قد سلم يلتزمون جميعاً الصمت ولا يحاول أحدهم عن نفسه دفاعاً..

يعود كل واحد من الموظفين إلى بيته فيجد زوجته لم تطبخ أو طبخت صنفاً لا يحبه فيلعن الزواج وسنين الزواج والقدر الظالم الذي أعطاه امرأة لا تستحق إلا ضرب الأحذية..ولأن الرجل هو رب الأسرة وكبير العائلة تكتم الزوجة غضبها ودموع مهانتها ولا ترد..

تجد الزوجة أطفالها المعجونين بماء العفاريت يلعبون ويحدثون جلبة وضوضاء والحجرة منكوشة والأثاث متسخ من أحذيتهم وأيديهم القذرة فتنزل عليهم ضرباً بالكف وبالشبشب وتلعن اليوم الذي رأتهم فيه وتسأل الله لماذا لم ينشق بطنها قبل أن تحملهم وتطلب منه أن يريحها منهم ومن دنياها كلها..وللأم طبعاً مكانتها المقدسة فلا يجرؤ واحد منهم على الرد..

يخرج الأطفال إلى الشارع فراراً من غضب الأم، يجدون كلباً ضالاً أعجف ممزق الفروة يشمشم في أكوام القمامة عن شئ يأكله..يرمونه بالطوب فيجري مذعوراً..يطاردونه حتى يحاصروه في ركنٍ ليس منه مفر وينزلون عليه بالعصي والحجارة ويسكبون عليه الماء..يئنّ الكلب ويزوم ويحاول الفرار ثم يغمض عينيه ويحني رأسه مستسلماً لمصيره والأطفال يضحكون بأعلى صوت..

بعدها كلما رأى الكلب إنسانا دس ذيله بين ساقيه وانطلق كالصاروخ باحثاً لنفسه عن مخبأ أمين..

وقديماً قيل في الأمثال: "البلد التي تخافُ كلابُها الناس..ما تنداس".

ليمونة خضراء

همس في أذنها:
- اليوم وأنا عائدٌ من السوق وقعت من سلتي الصغيرة ليمونة، كانت جافة متشققة وجلدها ملئٌ بالبثور.. تدحرجت وتدحرجت.. وأنا أجري وراءها حتى وقَفَتْ أمام بابكِ..وصلتُ إليها والتقطتُها وعيني لا تفارق شباكك.. رأيتُها ذهبيةً تخطفُ الأبصار..ذُقتُها فوجدتها تقطر شهداً وعسلا..

ردت:
- خرجت من داري في الظهيرة..وجدت أمام بابي ليمونة جافة متشققة وجلدها ملئٌ بالبثور.. ليس فيها ما يغري أحداً أن يذوقها أو أن يعضها بأسنانه..أما القطرات القليلة التي اعتصرتُها منها بعد جهدٍ مميت..فكانت شديدة المرارة..

25 فبراير 2006

حادثة

بعد الحادث مباشرةً –وسط الحطام والركام والحرائق والجثث الطافية- قال فص مخه الأيمن وهو يتأرجح فوق الأمواج المتلاطمة:
- ألم أحذرك؟ ألم أقل عشرات المرات إن الوقوف على الماء بين سفينتين عملاقتين على مسار اصطدام محقق لن يوقفهما ولن يمنع المقدور وإنما فقط سيجعلك أول من يُسحق؟ ألم أقل إنك ستكون أول الضحايا؟ قلت لك الحل الوحيد هو الاختيار.. اختر سفينة واحدة ودافع عنها بكل ما تملك..قلتُ كل هذا ولكنك لم تصغ.. أرجو أن تكون سعيداً بنتيجة عنادك..

رد الفص الأيسر بآخر قطرة حياة متبقية فيه:
- انظر حولك.. هل مصير ركاب أيٍ من السفينتين أفضل من مصيرنا؟ من ابتلعته المياه غرق ..ومن لم يغرق احترق.. ومن لم يحترق لدغته العقارب.. ومن لم يمت بسمومها مات بحرقة ضياع كل شئ.. صدقني.. في هذه الكارثة ليس هناك أي فرق بين مهاجم أو مدافع أو واقف في الوسط المستحيل.. الله يرحمنا جميعاً..