26 يونيو 2006

حكاية الحب (المستحيل) الأول

"حكايات أمينة" عمل جديد تحت الطبع في دار ميريت.
يتكون العمل من مجموعة قصص متصلة منفصلة. هذه القصة واحدة منها. أتمنى أن تعجبكم. في انتظار تعليقاتكم ...



حكاية الحب (المستحيل) الأول

***

أحياناً كانت أمينة تتسلل إلى الكنيسة الصغيرة الملحقة بالمدرسة. تحتاج للحظة حتى تعتاد عيناها على خفوت ذلك الضوء المصفّى بزجاج الشبابيك الملونة الذي يبعث في قلبها راحة تتعطش إليها. وهدوءٌ مطمئن يروي روحها الظامئة. حالما تدخل من الباب تتنهد تنهيدة عميقة وتبدأ في السير بين صفوف المقاعد متأملة الجدران والصور. ثمة قوة خفية تجبرها على التحرك ببطء وتؤدة وتفرض على عقلها ألا يحادثها إلا همساً. تجلس وتبدأ في تلاوة الفاتحة والصمدية وتدعو الله أن يحقق للثورة النجاح وأن يعيد سعد باشا من منفاه الثاني. وتدعوه مخلصة أن يخرج الإنجليز من مصر. وأحياناً –حين يتملك منها الضيق بمنفاها داخل تلك المدرسة اللعينة- تدعوه أن يحرقها بما فيها ولكنها تشترط عليه شرطين أولهما ألا تكون هي بداخل المدرسة عندما يقرر سبحانه الاستجابة لدعوتها ومحوها من على وجه الأرض والثاني ألا تمتد ألسنة النار إلى هذه الكنيسة الجميلة التي أصبحت لها ملاذاً من قسوة المدرسة وأهلها..

في المرات الأولى لم تلحظه. كانت الصلوات والدعوات تستغرقها إلى حد العجز عن رؤية أي شيء حولها. ولكنها بالتدريج عندما اعتادت المكان وعرفت يقيناً أن هناك أوقاتاً لن يفاجئها فيها أحد طالباً تفسيرات وإيضاحات عما تفعله –هي المسلمة- داخل الكنيسة بدأت تتأمل كل شيء بدقة متناهية. وهناك رأته لأول مرة، شعره أشقر ووجهه وسيم تعلوه ابتسامة وديعة وعيناه زرقاوان تفيضان حباً وحناناً. عند التقاء نظراتهما ابتسم لها فاحمر وجهها وركضت خارجة إلى الحديقة المنمقة حيث وقفت يدق قلبها خجلاً (وربما أيضاً نشوةً بمغامرة غير منتظرة). وأخذت على نفسها عهداً ألا تطأ قدماها ذلك المكان مرة أخرى.. لكن وعود الشباب قصيرة العمر. بعد أيام من المعاناة والتردد والرغبة الجارفة والخوف وجدت قوة مجهولة تدفعها – رغم عهدها الذي شهدت عليه زهور الحديقة وأشجارها- للعودة إلى الكنيسة. شعرت بسخونة الدم يتدفق إلى وجنتيها وريقها يجف وقلبها يغوص ويدق خائفاً متلهفاً. دخلت متعمدة ألا تنظر في اتجاه المكان الذي رأته فيه. ولكن نفس القوة الخفية أدارت رأسها رغماً عنها فرأته واقفاً في نفس المكان يحدق فيها بعينين زرقاوين تفيضان حباً وحناناً. خفضت عينيها خفراً وبدأت في التحرك متأملة الجدران والصور في محاولة (تعرف فشلها) لتجاهل وجوده الغلاب. وبين الحين والآخر تجد نفسها مضطرة للنظر نحوه مدركة أن عينيه تتابعانها. وكلما ألقت عليه نظرة وجدته مثبتاً عيونه عليها. وبعد مقاومة عنيدة لم تملك إلا أن ترد ابتسامته وأن تبدأ معه حديثاً وأن تعرف أسمه وعندما عرفته عرفت كما قالت لها أمها أنه سيعود قبل يوم القيامة بأربعين سنة ليملأ الأرض عدلاً ونوراً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. رأته جميلاً ووسيماً وباعث أمل لا يموت. همست له وأقسمت أنها ستكون بانتظاره عند نزوله من مملكة السماء وأنها ستسير وراءه وتصدقه عندما يكذبه الناس ويتبعون –غافلين- ذلك المسيخ الدجال الذي سينتحل شخصيته. إنها تعرف أنه كلم الناس في المهد صبياً وكان براً بوالدته ولم يكن جباراً شقياً. وتعرف أنه يحيي الموتى ويبرئ الأعمى والأبرص والأكمه بإذن الله. وتعرف أنه سيعود. وتعرف أيضاً أنها تحبه وتحب خصوصاً عينيه الزرقاوين اللتين تفيضان حباً وحناناً..

***

عندما انتهت الثورة ولم يخرج الإنجليز من مصر وانطفأت شعلة الحماس كما اتقدت فجأة وبشكل غير مفهوم لم تكن أمينة قادرة على فهم ومتابعة الحسابات السياسية المعقدة التي أدت إلى تلك النتيجة المؤسفة فقررت أن تلجأ إلى الحل البسيط وهو أن القيامة ستقوم بما يعني أن عليها –وفاء لقسمها- أن تجلس في شرفتها كل ليلة ناظرة إلى السماء. وذات ليلة سيتحول القمر إلى مصباح كشاف يسلّط ضوءه على بقعة معينة وعندها ستراه نازلاً بهدوء. يتطاير شعره الأشقر في الهواء ويهفهف معه جلبابه الأبيض وينظر إلى الأرض وسكانها –الذين أتى لتخليصهم- نظرته المحبة الحنونة الوادعة. وعندها سيراها واقفة تلوح له فاتحة ذراعيها مستعدة لاستقباله واحتضانه. يصل إلى شرفتها فتغسل قدميه وتعطرهما وتقدم له بيد ترتجف حباً كوب اللبن الدافئ ثم يخرجان سوياً –هو السيد المعلم وهي الحوارية- ليبدآ معاً مهمة إنقاذ العالم.
وفي كل ليلة –عندما تدرك أنه قرر مرة أخرى أن يخلف موعده- تدخل حجرتها وتفتح الدولاب. داخل بابه ثبتت صورته بشعره الأشقر ووجهه الوديع وعينيه الزرقاوين تفيضان حباً وحناناً وتتملى وجهه بنظرة عتاب ثم تغلق دولابها فتحط نظراته الحانية على المصحف القابع على الرف في مواجهته مباشرة..

***

والآن –عندما تضيق بي الدنيا ويصبح وزن قلبي أكثر من طن ينوء به صدري، ويستعصي عليّ فهم الحسابات السياسية المعقدة التي أدت إلى ما أراه حولي في الدنيا أفتح نافذتي وأطلّ إلى السماء متمنياً أن أرى القمر وقد تحول إلى مصباح كشاف يسلّط ضوءه على بقعة معينة وأراهما نازلين هو بشعره الأشقر الذي يتطاير في الهواء ويهفهف معه جلبابه الأبيض. وجدتي بقميص نومها الأبيض ذي الزهور البنفسجية الصغيرة يتطاير ما تبقى من شعرها الأبيض الخفيف ينظران إلى الأرض وسكانها نظرتهما المحبة الحنونة الوادعة حتى يصلان إلى شرفتي فأغسل أقدامهما وأعطرهما وأقدم لهما بيد ترتجف حباً كوب اللبن الدافئ ثم نخرج سوياً –هو السيد المعلم وهي الحوارية وأنا التابع- لنبدأ معاً مهمة إنقاذ العالم..

ولكنني أعرف. فأغلق النافذة بعد أن عشت لحظة سلام وجيزة تكفيني حتى القيامة التالية..

ليلة

عيناها مثبتتان على شاشة التلفزيون. ألقى عليها تحية المساء فردت بألفاظ مبهمة. جلس في مقعده وخلع الحذاء ولبس الخف المريح وتنهد. بدأ يقرأ جريدته وقال كلمتين فأجابته بكلمتين. أتى العشاء فأخذا يأكلان في صمت. باحساسٍ بالواجب علّق على نوعية الطعام بكلمة ونصف فهزت رأسها موافقة. عاد من الحمام بفم تفوح منه رائحة معجون الأسنان. تمنى لها ليلة سعيدة ونوماً هادئاً فابتسمت..
أيقظها شخيره العالي فمدت يدها وحركت الوسادة تحت رأسه برقة حتى سكتت الضوضاء وعادت –بصعوبة- لنومها..
بعد الإفطار أتاهما الصوت المعدني يأمرهما بطي الموائد واعادة ظهر المقعد إلى الوضع الرأسي وربط الأحزمة. وبعد لحظات هنأها بسلامة الوصول وساعدها في انزال حقيبتها ثم سار كل منهما في طريقه..

قلبه في النيل

كان ياما كان يا سعد يا إكرام ما يحلا الكلام إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام.

كان ياما كان، لا في سالف العصر ولا في قديم الزمان شاب زيه زي كل الشبان، راح المدرسة ومنها على الجامعة، وهو في الجيش حبّ بنت الجيران، واتفقوا على انهم لبعضهم أول ما ربك يسهلها ويفتح عليهم باللي يتجوزوا بيه ويعيشوا في تبات ونبات ويخلفوا الصبيان والبنات..

صاحبنا طلع من العسكرية وفضل يدوّر على شغل عشان يشتري الدبلتين والسقف والمرتبة، يدوّر مهما يدوّر، يمشي لما تحفى رجليه، يذل نفسه العزيزة قدام اللي يسوى واللي مايسواش وكل البيبان يا ولداه مقفّلة في وشه، واليوم يجرّ يوم والشهر يجرّ شهر فاتت سنة واتنين وهو زي ما هوّ قاعد عند أبوه وأمه ومايشوفش حبيبته إلا في الشوارع (عشان مابقاش فيه جناين يروحوها زي زمان). في يوم من الأيام وهو ماشي معاها ينخلوا الهم ويغربلوه واللي يعيدوه يرجعوا يزيدوه من غير مايلاقوا لا حل ولا أمل طقت في دماغه الفكرة انه لازم يمشي من البلد ويروح يلقط رزقه في أي حتة ربنا يوديه فيها، هي تعيّط وتقول له الغربة صعب يقولها الفقر غربة وبعدي عنك وأنت قدامي غربة اكبر، تقول له حتروح وتنساني وماترجعليش يقول لها ماحدش في الدنيا بينسى روحه وأنت روحي وعقلي. من هنا لهنا ماعرفتش تغيّر رأيه فسكتت وقلبها واكلها ووالع نار لكن حتعمل ايه؟

المهم، صاحبنا راح يجري على السفارات والقنصليات يملا ورق ويجيب صور واستلف من طوب الأرض لحد ما عرف يخرج. وبلد تشيله وبلد تحطه جاب الدنيا من شرقها لغربها وربك فتح عليه من وَسَع. أكل أحسن أكل ولبس أحسن لبس وشوية بشوية نسي حبيبته اللي قاعدة مستنياه وتكتب له الجوابات وتلزق صمغها بدموع عينيها.

بعد ما فاتت عليه السنين وهو مبسوط ومستريح ومش ناقصه حاجة أبداً صحي من النوم لقى نفسه بيعيّط. قال لازم شفت حلم وحش وإلا حاجة ونسي الموضوع. لكن كل يوم كان يصحى يلاقي دموعه مغرّقة المخدة. وبعد كده يبقى قاعد في وسط الناس وبيضحكوا ويتكلموا وياكلوا ويشربوا ومرة واحدة يلاقي عينيه راحت مرغرغة بالدموع وايد جامدة زي الحديد ماسكة زوره وحتخنقه. راح لدكاترة ومنجمين وعرافين وماحدش عرف السبب. قعد يفكر في ليلة وافتكر حبيبته اللي راح يجيب مهرها وسابها وراه ونسيها وكأنها مش موجودة. قال في نفسه ده ذنبها اللي في رقبتي. ماكدّبش خبر وجرى ركب الطيارة ونزل مصر وراح لها. لقاها حزينة ودبلانة لكن زي الوردة لو دبلت ريحتها فيها. قلبه حن قال لها سامحيني على اللي عملته فيكي أنا راجع ابوس راسك وايدك وآخدك اعوضك عن كل السنين اللي فاتت دي. قالت له ايه اللي فكرك بي دلوقتي؟ ما فاتت سنين من غير ما اسمع عنك أي حاجة اشمعنى النهارده جاي ترجّع اللي راح. حكى لها حكاية الدموع اللي بتغرّق المخدة والايد اللي بتخنقه وقعد يقول ليه؟ عندي كل حاجة ناقصني ايه؟ ليه طول الوقت قلبي واجعني وحاسس اني ناقصني كل حاجة والدموع مابتنشفش من عيني. قالت له يمكن انا اعرف السبب. يوم ما سافرت وسبتني الدنيا اسودّت في وشي رحت جري على السيدة سكينة. حطيت ايدي على مقامها وقلت خايفة يا سيدة، خايفة يروح وينساني وما اشوفوش تاني، بحق جاه جدك المصطفى اتشفعي لي وخليه يرجع لي ده انا ما ليش في الدنيا غيره. واحدة ست واقفة جنبي سمعتني وقالت لي روحي للشيخ علوان. دخلت عليه قال لي الطير طار وخايفة يلوف على غيرك ولا يرجعش؟ أنا ماصدقتش وداني وقلت الراجل ده فعلاً مكشوف عنه الحجاب، عرف كل حاجة من غير ما اتكلم ولا افتح بقي. قال لي روحي امشي على النيل في الحتة الفلانية حيطلع لك صياد ويناديكي باسمك هاتي اللي يديهولك وتعاليلي جري. الصياد اداني جردل متغطي بغربال. رجعت للشيخ علوان من غير ما ابص فيه. فتحه لقيت جواه قرموط نيلي أسود كبير بشنبات. سألني عن اسمك واسم امك وبسن الدبوس كتب على جلد القرموط:

يا فلان ابن فلانة
قلبك هنا
مهما شفت ولفيّت
ترجع لنا
ومهما عرفت وحبيّت
نصيبك أنا

بس وعزّم على القرموط وقرا عليه حاجات مافهمتهاش واداهولي بجردله وغرباله وقال لي تحافظي عليه زي عينيكي. خدته عندي في البيت وكل يوم كنت اغير له الميه واحط له فيها ماورد ومازهر وأأكله أحسن أكل عندنا. كنت آخد منابي واقسمه نصين نص لي ونص له وكل ليلة أقعد اكلمّه واغنيله واقول له كل اللي نفسي اقولهولك.. ولفت الأيام وانت في غيبتك وناسيني وانا ماليش في الدنيا إلا صورتك والقرموط. في يوم أمي قالت لي روحي مع أختك القناطر اتفسحي وشمي هوا عشان يا حبة عيني بقى وشك زي الليمونة وخسيتي النص حتفضلي حابسة نفسك لغاية امتى؟ انا كنت باخاف اخرج واسيب القرموط بس يومها قلت والله لأنا خارجة وحآخده معايا. أول ما ركبنا المركب القرموط اتجنن في الجردل. تقولش قلبه حس اننا في النيل في بيته وميته. فضل يدور حوالين نفسه ويخبط راسه يمين وشمال في الجردل ومرة واحدة لقيته نط لفوق كأن ربنا ادّاله قوة ما بعدها قوة وخبط الغربال براسه ونط في النيل. بقيت اعيط والطم واندب وفرجت عليّ الناس ويقولوا لي معلش حصل ايه؟ ننزل نصطاد لك عشر قراميط وانا أصرخ وأقول كده راح خالص كده مش حاشوفه تاني ولا هم فاهمين انا باتكلم على ايه.. آدي الحكاية..

قال لها يا نهار اسود يعني انا قلبي دلوقت في النيل وميتّه ملوثة ووسخة وبيرموا فيها بلاوي ما يعلم بها إلا ربنا، وماداهية يكون حد اصطاد القرموط وسلخه وكله ورمى جلده المكتوب عليه التعزيمة في الزبالة.. يعني قلبي راح فين؟ مش حرام عليكي تعملي في كده؟ أجيب قلبي منين دلوقت؟ وجرى بسرعة راح على النيل على مراكبي كان زمان لما يبقى معاه فلوس ياخد حبيبته ويروحوا يركبوا فلوكته. لقاه في نفس المكان. حضنه وباسه وقال له يا عم فلان ما تعرفش بيصطادوا القراميط فين؟ قال له من كل حتة في بحر ربنا الواسع. قعد يبص على النيل ولقاه عريض وجميل والنور بيضوي على المية ودموعه نزلت وهو بيفكر قد ايه هو كبير ومش ممكن يعرف يلاقي فبه قرموط معين. بعد شوية قال للمراكبي خدني فسحة يا عم فلان. خده ومشي به في النيل وهو بيكلمه وصاحبنا ولا سامع ولا هو هنا. بيبص طول الوقت على المية كأنه حيلاقي فيها قرموط مكتوب عليه اسمه ومكتوب عليه قلبك هنا. ومرة واحدة –الله أعلم هو شافه وإلا ايه- راح ناطط في النيل والمراكبي يصرخ ويقول له البحر هنا غدار ما تنزلش. غطس لتحت لتحت يدوّر على القرموط..

ولما جسمه طلع عام فوق وش الميه من غير حركة كان مرسوم على وشه ابتسامة بتقول خلاص لقيته..

وتوتة توتة فرغت الحدوتة والآه جوه صدري مكبوتة.. حلوة وإلا ملتوتة؟