14 فبراير 2007

إعلان

بعد صمتٍ طويل عُدنا والعودُ أحمدُ...
ياحاضرين اعلموا الغايبين بإنه في مصر..
صدرت بحمد الله مجموعة "حكايات أمينة" بعد انتظار ووجع قلب وملاوعة ومناهدة ومساومة وتسويف ومماطلة ونشفان ريق..
اللي يشوفها أو يقراها معزوم يقول رأيه واللي في نِفسه في هذا البلوج أو غيره..
مع الاعتذار عن العطل الفني وانسداد النِفس الذي أسكت حِس النفر..
القيرواني/الكايرواني

الدقائق


نظرت في ساعتها وامتلأ قلبها غبطة وامتنانا ..
تذكرت الشمع الذي نذرته لأم الغلابة ووعدتها أن تشعله الليلة أو غدا صباحا بالكثير، عرفانا لوفائها بالوعد الذي قطعته لها في الحلم منذ أيام..
في المنام أتتها لابسة –مثلها الآن- أبيض في أبيض. وضعت يمناها على كتفها وبيسراها مسحت الدموع التي تغرق خديها:
- لماذا تبكين يا ابنتي ؟
- كيف لا أبكي يا سيدتي و الدنيا تلهب ظهري بالكرباج ودقائق اليوم ليست كافية..
- كيف؟
- في اليوم ألف واربعمئة وأربعون دقيقة فقط لا غير.. يروح ثلثها في النوم حتى أستطيع تحمل الثلثين الباقيين.. في الصباح أحتاج لساعة حتى أطعم الأطفال وألبسهم وأخرج الطعام من الثلاجة حتى يكون جاهزا للطبخ عند عودتي..أحيانا أنسى حتى أن أسرح شعري وأطلع من البيت جريا وفي كل يد عيل.. نركب الميكروباس لأوصلهما المدرسة ..الوقت المطلوب مسألة حظ تتوقف على درجة الزحام ومرور المواكب أو انفجار المواسير، بمجرد أن يدخلا من الباب أواصل الجري لأذهب إلى العمل ولا تقولي لي أن أبقى في البيت فهو يحتاج مرتبي.. المسألة تأخذ لها ساعة أو ساعة ونصف وأقضي اليوم بطوله في العمل ثم أعود منهكة لا أطلب من الدنيا شيئا إلا دقائق راحة لكنني لا أستطيع فالطبيخ ينتظرني وغسيل الأطباق والملابس والمكوة واستحمام الأطفال ومساعدتهم في عمل الواجب والقراءة وحتى الحساب الذي لا أحبه ولا أفهمه .. وفجأة أنظر في الساعة وأجد أن ميعاد النوم قد أزف وورائي عشرات الأشياء التي لم أنته منها ويجب أن تؤجل ليوم آخر ليس في دقائقه دقيقة واحدة غير محجوزة .. وحتى عندما أرمي ظهري الكسير على سريري فهناك على الأقل (لا تؤاخذينني على الحديث في هذا الموضوع) مرة أو مرتين أسبوعيا تضيع فيها نصف ساعة للحقوق والواجبات الزوجية ..ولكي أكون جاهزة لها فهناك مرة كل أسبوعين أحتاج فيها ساعة أو أكثر للحلاوة ونتف الشعر الزائد.. وعندك أيضا خمسة أيام في الشهر تزيد فيها زياراتي للحمام ويطول بقائي فيه دقائق ثمينة للتعامل مع الفوط الصحية وما قد يتسرب منها .. لقد حسبت وعددت وأحصيت واكتشفت أن عدد الدقائق في اليوم ليس كافيا على الإطلاق .. يجب أن تزيد.. ساعديني يا ستي يا أم الغلابة .
- ماذا تريدين ؟
- أريد أن تصبح الساعة مائة دقيقة..هذا سيحل كل مشاكلي..
- رغم أن طلبك يستلزم تغيير سرعة دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس أعدك أن أنقله لصاحب الأمر وأن أتشفع لك.. وهو وحده يستجيب الدعوات..

***

نظرت في ساعتها وامتلأ قلبها غبطة وامتنانا ..
كانت الساعة الخامسة وواحد وسبعون دقيقة.. أحمدك يا ربي ..
دخل الملاكان حجرتها .. ملابسهما بيضاء وأجنحتهما كبيرة ترفرف ، جس واحد منهما نبضها ونظر في فمها ، أخذ الثاني درجة حرارتها وقاس ضغطها وأعطاها من طعام الملائكة قرصا ، قالت :
- أعرفت؟ أصبحت الساعة مائة دقيقة بالضبط كما طلبت .. الساعة الآن الخامسة وخمس وسبعون دقيقة.. أليس هذا رائعا ؟ وأليس الله رؤوفا بالعباد؟ وعليّ نذر لأم الغلابة ويجب أن أوفيه ..
- الوفاء بالندر واجب مقدس..
- عندما غادر الملاكان الغرفة أدركت أنها لم تخبرهما أن الرحمة لم تقتصر على إطالة الساعات بل أن الدقائق غير المستخدمة في أي يوم تعود إلى صاحبتها حتى تستعملها على راحتها وفي الوقت المناسب .. نظرت إلى السلة المليئة بالدقائق المتوفرة من اليومين الماضيين . ملأت كفها بحفنة من دقائق متلألئة وضّاءة براقة كالجواهر وجلست على السرير تعدها مبتهجة وتعيدها ببطء إلى السلة وتفكر في أفضل استخدام لها ..

كلاهوما

"بالعامية"

العساكر واقفين على الباب. وشهم كِشِر ودمهم تقيل وكلامهم كله شخط ونطر "خش يمين، خش شمال، امنع الكلام واقلع هدومك.."
وقفنا صف طويل جنب بعض عريانين. الفرق الوحيد هو نوع اللباس. أنا واللي زيي كنا لابسين لِبِسة "جيل" قطن بيضا. التانيين كانوا لابسين لِبِسة دمّور طويلة لحد الركبة. من حظي إن اللي واقف جنبي كان صاحبي من النادي. قلت له:
- من ساعة ما صحيت عمال أدعي إنهم يدوني إعفا عشان النظر.. قدامي فرصة شغل هايلة في انجلترا ..
واحد كان واقف جنبنا على طول (بس الحقيقة أنا ماكنتش خدت بالي منه خالص) لونه مصدّي ورفيع ووشه منقّر زي الزلطة المخربقة ولباسه دمّور مصفِرّ لون وشه بالظبط راح داخل في الكلام:
- يا عم بلا سفر بلا غربة بلا بهدلة.. الواحد يقعد في بلده وسط أهله أحسن وأكرم له.. انت مش بتقول انجلترا؟ طب واللي نبّى النبي أنا لسه راجع من كلاهوما في أمريكا وحالف على نعمة ربنا إني عمري ما حاسافر تاني ولا أخطّي خطوة بره بلدي.. دانا شفت بلاوي الله لا يوريك.. على رأي وردة "خليك هنا خليك بلاش تفارق"...
بصيت له وأنا مستغرب جداً. أمريكة ايه اللي بيتكلم عليها الواد المعفّن العِفِش ده؟ .. وبعدين قلت في عقل بالي خده على قد عقله وخليك ماشي معاه .. آهي تسالي في يومنا الأغبر...
- كنت بتعمل ايه في أمريكا؟
- صلي على سيدنا النبي.. أنا شغلتي خراط .. لفّيت ودوّرت بس الشغل اللي لقيته صراحة ما ملاش دماغي .. صحيح ما يشكر في نفسه إلا إبليس بس الشغل ما كانش على قد شطارتي .. أنا أصلي أسطى كبير أوي .. المهم الواد محمد ابن الجيران كان طلع أمريكا وبعدين شد لي جواب قال لي يا أسطى سيد ما تجيب بعضك وتيجي.. ده الشغل هنا على قفا من يشيل .. ما كدّبتش خبر ورحت طالع .. بلد تشيلني وبلد تحطني لغاية ما لقيت نفسي في كلاهوما باشتغل في ورشة ميكانيكا وسيارات .. الشغل برضه ما كانش مكيّفني.. بس أهو بيجيب قرشين حلوين وخلاص .. في يوم من الأيام دخل زبون على المحل راكب عربية شيفورليه بأجنحة.. كبيرة عينك ما تجيبش آخرها .. المعلم صاحب الدكان (اسمه جونسون على إسم الرئيس القديم) فتح الماتور وضرب كف على كف وقال لا حول ولا قوة إلا بالله .. راحت العربية الغالية .. الحتة اللي باظت فيها مش موجودة في الدنيا كلها .. قعد الزبون الغني يعيّط والمعلم جونسون يطبطب عليه .. قمت أنا رايح من سكات من ورا ضهرهم خدت الحتة وجري على مكنة الخراطة .. عشر دقايق ربع ساعة بالكتير ودخلت عليهم بقلب جامد ورحت مدّي المعلم جونسون الحتة اللي أنا عملتها وقلت له جرّب دي .. هوب وراح حاططها في العربية ودوّر الكونتاك دارت ومشيت زي الرهوان .. الزبون راح لف له لفتين ورجع.. قال لي تطلب ايه يا أسطى سيد؟ لو عينيا ما يغلوش عليك .. قلت له أنا مش طالب إلا إنك تكون مبسوط ويكون ربنا سبحانه وتعالى راضي عليّ عشان باعمل شغلي صح .. دب ايده في جيبه وادّاني رزمة فلوس وقال لي أي يوم تعوز حاجة تكلمني وأنا رقبتي ليك ...
اتعرفت الحكاية بقى في كل كلاهوما .. الشارع اللي فيه ورشتنا كان كله ورش يمين وشمال .. طب والعشرة الكرام دول وحق من جمعنا من غير ميعاد.. كل الورش التانية كانت فاضية بتنش وطابور العربيات على ورشتنا مالوش آخر .. ومافيش على لسان الخلق إلا الاسطى سيد الاسطى سيد .. ولا غير الاسطى سيد يشوف لنا العربية .. بس والقرش جري في ايدي وبقيت ملك كلاهوما..
يوم قلت لنفسي يغور المال اللي ما ينزه أصحابه .. اخرج ياخي اتفسح وشم هوا وفك عن نفسك والا العيشة حتبقى كلها شغل في شغل؟ وفعلاً لبست الحتة الزفرة وحطيت الكالونيا ونزلت... رجليا خدتني على فين؟ على بار.. يعني خمارة أستغفر الله العظيم.. قعدت بقى ورحت طالب واحد وسكي وواخده على بق واحد.. ضربت بعيني على اليمين لقيت شوية حريم قاعدين على ترابيزة وسمعت واحدة فيهم بتقول للتانيين عارفين مين اللي على البار ده؟ الأسطى سيد بتاع الخراطة.. بس ولقيتها جاية ناحيتي وقالت لي انت الأسطى سيد؟ قلت خدامك يا هانم.. من غير احم ولا دستور راحت قالعة القميص والسنتيان وملطشاني على وشي ببزازها.. على كل خد قلم ببزّ.. وقالت لي أنا زعلانة منك أوي يا أسطى سيد.. كده تأخر عربيتي تلات أيام بحالهم؟ .. ماكدبش عليك أنا اتجننت.. شفت البزّين بيض ومربربين وطراي والحلمات يابا آه.. تقولش فراولة؟ وأنا طبعاً مش حجر.. أنا بني آدم لحم ودم.. ما قدرتش أمسك نفسي ورحت مادد ايدي.. عقلي كان بيقول لي حرام يا سيد ده زنا وحتخش النار.. بس هو مين اللي يقدر في ظرف زي ده يقول لأ؟ مسكتها وبُستها في بقها وقعدت أحضنها واعضّ فيها ولسه حنصهلل مع بعضينا ما ألاقيلك إلا جميع الكايبوي بتوع كلاهوما داخلين علينا بالمسدسات ومحوّطينا من كل ناحية ورجليهم بتدبّ في الأرض.. قلت لنفسي مادام حتموت يا واد يبقى تموت راسك مرفوعة.. رحت مطلّع المطوة قرن الغزال وفاتحها وداخل عليهم جري حالف لاجيب كرش أتخن تخين قبل ما يقدر يضرب نار.. وأنا باجري سمعت صوت بيقول: كله يوقّّف عنده منك له.. طلع مين؟ كبير الكايبوي كلهم.. قال لهم انتو بتعملوا ايه؟.. عايزين تموّتوا الراجل ده ليه؟ قالوا له قطع عيشنا ووقف حال ورشنا وماحدش في كلاهوما وراه حاجة إلا الأسطى سيد.. وبعدين حييجي ياخد نسواننا كمان؟ لا يمكن.. احنا لازم نشرب من دمه.. رد عليهم وقال أما انتو عالم ناقصة صحيح... موضوع الشغل ده أرزاق بتاعة ربُّنا.. هو يعني كان غصب على الناس وقال لهم ما تروحوش لحد غيري ..والا بشغله وأمانته؟ اتجدعنوا انتو وابقوا زيه وحتلاقوا الزباين نازلة ترف عليكم.. وبعدين بقى موضوع النسوان ده.. هو خطفها والا جبرها والا راحت له بمزاجها؟ رُدي يابت.. بخُطرك والا غصب عنك؟ قالت له بخُطري ياكبير.. قال لهم يبقى انتو ايش حشركم بين البصلة وقشرتها يا بجم يا أوساخ؟ هي الغيرة جننتكم خلاص؟ اللي حيمس شعرة من راس الأسطى سيد حيبقى حسابه معايا أنا.. ياللا غوروا من هنا يا كلاب.. وحقك عليّ يا اسطى سيد وهات راسك أبوسها..
أنا حمدت ربنا إن الراجل الكبير جه ونجاني من ايدين ولاد الكلب الكفرة دول.. بس الصراحة كَرَفت وقلبي قفل من البلد واللي فيها.. قلت لنفسي في داهية الفلوس واللي عايزينها.. يا تخليك تتقتل يا توقّعك في الغلط وتروح جهنم الحمرا والعياذ بالله.. فلمّيت هدومي ورجعت جري على مصر...
العسكري زعق بعلو صوته: لليمين دُر.. معتاداً مارش.. مشينا طابور لغاية ما دخلنا مبنى الكشف الطبي.. كان فيه عسكري واقف على الباب بيقول انت خش يمين وانت خش شمال.. قبل الأسطى سيد الرفيع المسموم ما يدخل الأوضة بص لي وقال:
- اسمع كلام الأسطى سيد وكلام الست وردة.. خليك هنا خليك بلاش تفارق...